حاليا أعمل بمهنة الترجمة بشكل حر وذلك يعني أنني أعمل كمترجمة في ساعات تفرغي وأثناء استطاعتي. قد يظن البعض أنها مهنة سهلة بسيطة وأن الشيء الوحيد الذي تحتاجه لتصبح مترجما هو اللغة. ولكني أؤكد لكم أن مهنة الترجمة تعد من أصعب المهن..في حال أردتم التعرف بشكل أعمق على مهنة المترجم ومايواجهه المترجم في مهنته تفضلوا بقراءة بقية الموضوع...
ﻷن الترجمة ليست مهنة سهلة وﻷنها مرتبطة في كثير من اﻷحيان بقرارات مصيرية لكثير من اﻷشخاص فإنه من اﻷساسي إتمام الشخص لكورسات أو لتعليم خاص بالمترجمين الشفويين bli tolk حتى يصبح مؤهلا للعمل. ولكن هناك بعض شركات الترجمة تعطي كورس الكتروني لمدة 30 ساعة ﻷساسيات الترجمة, يتم اختبارك بعدها بمقابلة شفوية عبر الهاتف في أساسيات الترجمة الشفوية. كما أن المترجم يجب أن يكون لديه خبرة في جميع المجالات باللغتين السويدية والعربية على سبيل المثال الصحة, المجتمع, دوائر الخدمات السويدية, سوق العمل السويدي, القانون السويدي, قوانين دائرة الهجرة....الخ لن أخوض في كيفية الحصول على عمل كمترجم أو مترجمة فهناك العديد من الشركات والعديد من قوانين التوظيف المختلفة. ما سأعرضه اليوم يمثل حياة المترجم اليومية بين كونه مترجما وإنسانا.
لمهنة الترجمة قدسيتها وخصوصيتها فالمترجم يعتبر أداة أو وسيط لتسهيل التواصل بين شخصين أو طرفين لايجيدا لغة بعضهما البعض. وكما هو الحال في جميع المهن فإن هناك بعض القوانين التي تحكم هذه المهنة. حيث يجب أن يكون المترجم محايد غير منحاز ويجب أن يلتزم بقانون السرية, وذلك يعني أنه لايمكن للمترجم مناقشة ماذكر خلال الترجمة مع أي شخص كان. كما أن المترجم يجب أن لايكون على صلة أو معرفة شخصية بطرف الترجمة أو الجهة التي يتم الترجمة لديها, حيث يكون هناك خطر في انعدام الحيادية والانحياز في هذه الحالة. تلك القوانين تمثل القوانين اﻷساسية التي ينطلق منها المترجم في مهنته.
أما عن يومياتي في مهنة الترجمة فسأبدأ من أسبوعي اﻷول في عملي كمترجمة. فقد حصلت على الكثير من التراجم عبر الهاتف, وكان هذا ما فضلته في البداية بسبب ترددي وعدم ثقتي بلغتي أو بتمكني من مواضيع الترجمة المختلفة وعدم معرفتي بكيفية سير اﻷمور بشكل عام. ترجمت لدوائر مختلفة وﻷشخاص مختلفين وقضايا عديدة بين صحية, اجتماعية, تعليمية...الخ. أهم الصعوبات التي واجهتني في الترجمة عبر الهاتف هي فقدان التواصل بالعينين أو باﻷحرى لغة الجسد مما منع حصولي على رؤية واضحة للب الحوار أو المحادثة التي أنا أمثل طرف محايد بها. كما أنه غالبا لايعطى توضيح لموضوع الترجمة بشكل مسبق. فقد تكون ترجمة في مركز صحي أو في مستشفى وسيكون الموضوع شامل ومفتوح لتوقعات المترجم وهذا ماقد يسبب الإرباك للمترجم وقد يتسبب في فقدان جزء من الرسالة المترجمة, ولكن سنتطرق للعوامل التي تؤثر سلبا على الترجمة وعلى إيصال الرسالة بشكل سليم لاحقا في موضوع آخر.
كثيرا ماترجمت في قضايا حساسة تمس عائلات وكنت أتوتر كثيرا وأحاول جاهدة أن أترجم بدقة كي لا أؤثر سلبا على مصير عائلة أو حتى أفراد. وبعد الانتهاء من الترجمة كان من الصعب علي نسيان بعض القضايا, فأنا في النهاية بشر بمشاعر وأحاسيس قبل أن أكون مترجمة ومهنتي إيصال الرسالة بالضبط كما هي. لا أستطيع أن أمنع نفسي من التفكير أو التأثر ببعض القضايا وبعض المتاعب التي يتعرض لها العرب بمختلف القضايا. وأكثر ماكان يتسبب لي باﻷلم حين يتوسل البعض لإيجاد سكن أو توسل البعض للحصول على مساعدة مادية والكثير من قضايا من هذا القبيل والإجابة التي يحصلون عليها غالبا للأسف لايوجد مايمكننا فعله. كثيرا ما اعتصرتني ألما نظرات اليأس والإحباط في عيون الناس. كما أن الترجمة الشفوية في المكان تكون أكثر حساسية حين يرى المترجم أشخاص لاحول لهم ولاقوة يتوسلون ليستطيعوا ممارسة حياتهم بشكل طبيعي. وحينها يتوجه هؤلاء اﻷشخاص بطلب المساعدة من المترجم ولكن ليس بيد المترجم حيلة. ماأستطيع تقديمه المساعدة بالنصيحة والإرشاد. وذلك كان السبب اﻷساسي في إنشاء المدونة ونادي خطى؛ ﻷنني أريد المساهمة بمساعدة الجالية العربية في السويد وأقل مساعدة بإمكاني تقديمها هي النصيحة وتقديم التوعية بكل جوانب الحياة في السويد.
وعلى الرغم من وجود مواقف سلبية أو تجارب مأساوية يعيشها المترجم في مهنته فهذه التجارب تعطي للمترجم أحيانا قوة ودافع للاستمرار بالعمل وأحيانا تسبب الاكتئاب والإحباط. ولكن دعوني لا أظلم مهنة الترجمة؛ فلاتكون مهنة الترجمة دائما بهذا اليأس أو محاطة بهذا الجانب المظلم ولكنها كأي مهنة أخرى لها جوانبها المظلمة والمشرقة المليئة المرحة بالمرح والتجارب الإيجابية. على سبيل المثال قابلت اليوم رجلا في اﻷربعينيات من عمره يتكلم السويدية لن أقول بطلاقة ولكن لا بأس بها فإنه يستطيع إيصال الرسالة التي يحتاج إيصالها بكلمات بسيطة. لم أكن أعلم أني سأساعد هذا الشخص في الترجمة ودار بيننا حوار في غرفة الانتظار عن كيفية تطوير اللغة وطلب مني كتابة بعض المواقع التي أنصح باستخدامها. فوجئت حين تبينت أنني سأقوم بالترجمة لنفس الشخص وماجعلني أشعر بالفخر فعلا أن هذا الشخص بدأ بالمحاولة بالتكلم دون الاستعانة بي. على الرغم من حصوله على إقامة مؤقتة لمدة سنة فقط وعلى الرغم من وجود عوامل كثيرة تمنع هذا الشخص من محاولة تعلم اللغة أولها رفض انضمامه لل SFI حتى كمستمع بالرغم من محاولاته العديدة وعدم التحاقه حتى الآن بأي مدرسة, فإن هذا الإنسان الطموح المثابر تعلم اللغة بنفسه دون مساعدة ﻷنه يريد الحياة..ﻷنه يسعى للتألق. قابلت عدة أشخاص بهذه الروح الرائعة وهذه الطاقة الإيجابية التي تمنحني أنا كمترجمة عربية الفخر والقدرة على الاستمرار في العمل كمترجمة وفي الرغبة بالاستمرار في نشر التوعية من خلال نادينا. أتمنى فعلا أن تحيطنا جميعا الطاقة الإيجابية مهما كانت ظروفنا وأن لانيأس من المحاولة..نراكم قريبا في مواضيع أخرى من واقع المترجم العربي في السويد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق